الشيخ ناصر مكارم الشيرازي
218
مختصر الامثل
الاجتماعي بين الطبقتين الغنية والفقيرة ، ورفع مستوى معيشة الذين لا يستطيعون رفع حاجاتهم الحَيَوية ولا توفير حدّ أدنى من متطلباتهم اليومية دون مساعدة الآخرين . وللوصول إلى هذا الهدف وضع الإسلام برنامجاً واسعاً يتمثّل بتحريم الربا مطلقاً ، وبوجوب دفع الضرائب الإسلامية كالزكاة والخمس ، والحثّ على الإنفاق ، والقرض الحسن ، والمساعدات المالية المختلفة ، وأهمّ من هذا كله هو إحياء روح الأخوة الإنسانية في الناس . الَّذِينَ يُنْفِقُونَ أَمْوَالَهُمْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ ثُمَّ لَا يُتْبِعُونَ مَا أَنْفَقُوا مَنّاً وَلَا أَذًى لَهُمْ أَجْرُهُمْ عِنْدَ رَبِّهِمْ وَلَا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلَا هُمْ يَحْزَنُونَ ( 262 ) الإنفاق المقبول : الآية السابقة بيّنت أهمية الإنفاق في سبيل اللَّه بشكل عام ، ولكن هذه الآية بينت بعض شرائط هذا الإنفاق ( ويستفاد ضمناً من عبارات هذه الآية أنّ الإنفاق هنا لا يختص بالإنفاق في الجهاد ) . تقول الآية : « الَّذِينَ يُنفِقُونَ أَمْوَالَهُمْ فِى سَبِيلِ اللَّهِ ثُمَّ لَا يُتْبِعُونَ مَا أَنفَقُوا . . . وَلَا هُمْ يَحْزَنُونَ » « 1 » . يستفاد بوضوح من هذه الآية أنّ الإنفاق في سبيل اللَّه لا يكون مقبولًا عند اللَّه تعالى إذا تبعته المنة وما يوجب الأذى والألم للمعوزين والمحتاجين ، وعليه فإنّ من ينفق ماله في سبيل اللَّه ولكنه يمنّ به على من ينفق عليه ، أو ينفقه بشكل يوجب الأذى للآخرين فإنّه يحبط ثوابه وأجره بعمله هذا . بل لعل المنة التي يمنّ بها عليه ونظرة التحقير التي ينظر بها إليه ذات أضرار باهضة يفوق ثمنها ما أنفقه من مال . « لَّهُمْ أَجْرُهُمْ عِندَ رَبّهِمْ » . تُطمئن هذه الآية المنفقين أنّ أجرهم محفوظ عند اللَّه لكي يواصلوا هذا الطريق بثقة ويقين ، فما كان عند اللَّه باق ولا ينقص منه شيء ، بل أنّ عبارة ( ربّهم ) قد تشير إلى أنّ اللَّه تعالى سيزيد في أجرهم وثوابهم . في تفسير البرهان ، ذيل الآية مورد البحث ، عن رسول اللَّه صلى الله عليه وآله قال : « من أسدى إلى مؤمن معروفاً ثم آذاه بالكلام أو منّ عليه فقد أبطل صدقته » .
--> ( 1 ) « منّ » : بمعنى حجر الميزان المعروف ثم أطلقت على النعم المهمة التي يلاحظ فيها الجانب العملي « ومنن اللَّه تعالى من هذا القبيل » وإن كان الملحوظ فيها الجانب اللفظي كانت قبيحة جدّاً وفي الآية أعلاه وردت بهذا المعنى الثاني .